د.عمرو عبد الكريم (المصريون) : بتاريخ 10 - 8 - 2009
لا تنشأ الأفكار في فراغ إنما تنسج المعاناة خيوطها الأولى وتشكل العقبات
الاجتماعية كثير من منحنياتها، كما لا تتحرك الأفكار في فراغ أيضا إنما
تحدد كثير من توجهاتها المعالم الثقافية السائدة أو ما يمكن تسميته
"بالوسط الفكري". وتنقسم الأوساط الفكرية - دون السقوط في هوة الاستقطاب – إلى أوساط جاذبة "مرشِحة وداعمة" لفكرة معينة "وأوساط مناوئة وطاردة". -
ولا تنجح فكرة ما إلا إذا استجمعت لشروط النجاح وانتفت عنها عومل الإخفاق،
فلا تنجح فكرة ما لم يحملها شخص تملك عليه كيانه وتأخذ بمجامع نفسه فيعيش
الفكرة ويعيش لها يجّسدها سلوكا وفكرًا، ولهذا ما أحق الرسول بوصف السيدة
عائشة كان خلقه القرآن، وكان قرآنا يمشي علي الأرض صلوات ربي وتسليماته
عليه. وهذا الشخص الذي يحمل تلك الفكرة يعطيها عمره وزهرة شبابه بل
ويراهن علي نجاحها بعمره ويضع بيض حياته كله في سلتها هو الشخص المؤهل
لحمل الأفكار، ومع قدر وضوح رؤية ذلك الشخص (الرائد) لفكرته وتعمقه في
فهمها واستبصاره بمستقبلها ينجح في نقل فكرته. يقول الإمام الشهيد حسن
البنا "إنما تنجح الفكرة: إذا قوى الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها،
وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل
لتحقيقها" (إذ هم عناصر أربعة: الإيمان والإخلاص والحماس والعمل). -
ومن معالم نجاح الفكرة (مع عدد من الشروط الأخرى التي سنذكرها) أولا
اختيار صاحب الفكرة لبيئة مواتية تشكل وسطا جاذبا للفكرة ومرشحا جيدا
لنجاحها. ذلك إنما تنتصر الأفكار إذا أحسن أصحابها السير بها وتخيروا
الوقت الملائم لظهورها وعرفوا متى وكيف يعبروا عنها، ومتى يحسن بهم الصمت
ومتى يجمل منهم الكلام والحركة، ومتى يحق عليهم السكون ومتى تكون سرعة
السير فضيلة ومتى تكون خفةً ونزقا ومتى يكون الإبطاء وقارا ومتى تكون
الأناة سكينة مطلوبة، وهكذا فدعاة الإصلاح كثير ولكن قليل منهم من تعنيه
النتائج والقليل منهم الفطن الذي يضع الأمور في نصابها. المعلم
الثاني: لنجاح الأفكار هو قدرة حاملها على نقلها إلى مجموعة من الناس
رجالا ونساء، يعتنقون الفكرة اعتناقا تاما بحيث يضعون أرواحهم على أكفهم
في سبيل نصرة الفكرة ولا يمكن أن تتم هذه العملية قهرا وجبرا أو اغراءا
ورشوة، فالأفكار لا يمكن تعبئتها في أفئدة الرجال بالقوة والقهر أو
الإغواء والأغراء وإنما تتسرب إلى نفوس الناس (وتتشربها نفوس الناس تشربا)
بطرائق مختلفة وفق قوانين اجتماعية حاكمة وسنن كونية قاضية. المعلم
الثالث: هو قدرة الفكرة على إنشاء مجتمع (تخيلي) ولو صغير، تجمع أفراد
الفكرة فيه وشائج القربى بأكثر مما تجمعها قرابة النسب والجوار. إن
الفكرة حين تتخلق تكون خلاصة تفاعل ضخم من كل الظروف والأحوال والآلام
والآمال التي وعتها البيئة الاجتماعية لصاحب الفكرة مضافا إليها تجربته
الشخصية. المعلم الرابع: يتمثل في بيئة عامة مهيأة لتلقي الأفكار، إذ
أن التهيؤ لتلقي الأفكار لابد أن ينشأ من واقع معضل يهز القوالب الثابتة
التي تحيط بالناس ويخرجهم منها حيارى يبحثون، تتلقاهم الفكرة في ظاهر مبهر
متمثل في كينونة حضارية برّاقة تخطف بالأبصار وهذه نقطة البدء دائما في
لقاء الأفكار والأفئدة. المعلم الخامس: هو اعتبار الزمن ودوره في
نجاح الأفكار، فقد أثبتت التجربة التاريخية أنه لا شئ يضيع فالفكرة مهما
كانت تترك انطباعا معينا، سلبيا أو إيجابيا فقد تشكك في مسلمة من المسلمات
وقد تعزز ظنا من الظنون وقد تنبه إلى شيء منسي وقد تنقذ أمة من كارثة. وكثيرًا
ما يحدث أن تأتي الفكرة قبل أوانها أو في غير محيطها فلا تحدث اضطرابا في
الواقع العملي وهي أيضا لا تضيع لأنها ستشكل الخميرة التي سوف تنبت يوما
أفكارا أو حلولا حين تجد المناخ المناسب (كما يقول د. عبد الكريم بكار)
فالفكرة الأصيلة لا تضيع أبدا فهي إن لم تورق اليوم أورقت غدا. وقد أجريت دراسة في جامعة (بنسلفانيا) حول انتشار الأفكار تبين منها ما يلي: - يزداد الطلب على المعلومة عندما يزداد الشك لدى الأفراد حول فكرة من الأفكار حتى يصل الناس إلي شئ من اليقين. - تزداد درجة قبول المعلومات الجديدة في حالة وجدود غموض وإيهام حول قضية من القضايا. - كلما كانت إمكانية تجريب تطبيقات فكرة أعظم أو أمكن رؤية الآخرين يستخدموها كان أدعى إلي قبولها. ومع
ذلك لا أحسب أن أمتنا في حاجة إلى زعيم ملهم، فقد مضى عهد الزعماء
الملهمين ولا تحتاج كذلك إلى قائد موهوب فقد مضى عصر الموهوبين العظام
وأضحت المسائل عبارة عن شبكات متكاملة ومتراكبة من النظم وقواعد العمل
وإنما أحسب أن الحركات الإصلاحية في عاملنا العربي والإسلامي بحاجة إلي
ثلاثة أمور: أولها :المؤسسية وثانيها: التخصص وثالثها: اللامركزية الاتصال الحر والإدارة الفعالة. وهي
عناصر بحاجة إلى كتابة مستفيضة عنها ونفعل إن كان غب العمر بقية، لكن الذي
أحب أن أختم به أنه تبقى عملية التجديد عمل جماعي وجهد منظم، فالمجدد قد
يكون مدرسة أو فكرة أو جماعة دعوية أو حركة فكرية ويبقى موت وحياة الأفكار
تحكمه سنن الله في الخلـق والبعث والنشور وسنن الله غلابة والله لا يحابي
أحدا ولا يجامل سبحانه، وما لم تأخذ الفكرة وأصحابها بأسباب الحياة وعناصر
التجديد فقد حقت عليهم وعليها أسباب الموت وسننه.